أخبار وطنية الــقــلـم الــحــــر: ملف فساد كبير أخفاه ويواصل إخفاءه حكامنا المنتخبون منذ 2012
بقلم: الأستاذ عفيف البوني
ليس من أهداف الثورات وليس من تقاليد النظم الديمقراطية وليس من شروط التنمية وﻻ من مواصفات الحكم الرشيد في دولة الحق والقانون أن يتوافق الحكام المنتخبون في أكثر من دورة ومن أحزاب مختلفة على تجاهل وإخفاء واحد من أكبر ملفات الفساد، ملف الفساد هذا لم يصل إلى العميد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ولم يجد أعضاء مجلس نوابنا الوقت وخاصة الشجاعة ﻹثارته من أجل إنصاف ضحاياه وفي ذلك خدمة للبلاد وناخبيهم.
واﻷحزاب الحاكمة تتحمل مسؤولية إبقاء ملف الفساد هذا دون بحث ودون حل، وهي من يعتم عليه حتى ينساه الرأي العام، كما يظن من لهم مصلحة في ذلك، مما فيه الضرر البالغ بمصلحة الشعب والوطن.
ملف الفساد الذي أعنيه يتمثل في تعطيل الكثير من الطاقات البشرية المشهود لها بالكفاءة والوطنية ولها رصيد مهني متميز وعلاقات عامة شخصية وناجعة في الداخل والخارج وتمتلك قدرات وتجارب في استنباط الحلول لحل اﻷزمات واختصار الزمن وتقليل الكلفة .
شخصيا لست مختصا في ميدان اﻹقتصاد واﻹستثمار وسياسات المال واﻷعمال والبنوك، وحين استمعت الى اﻷستاذ مصطفى كمال النابلي وهو يشرح ماهو عليه حال بلادنا وما ينتظرها من اﻻحتماﻻت السلبية المؤكدة، ويبين أنه بالرغم من ذلك، حين تتوفرالسياسة الرشيدة الصائبة يمكن التحكم في اﻻزمة ويمكن التقليل في الكلفة ويمكن أن تنجح الحلول العقلانية المدروسة.. وقد شخص بعض اﻷخطاء القاتلة في مستوى القرارات المرتجلة أو توهم الحلول المغلوطة والوعود غير الجدية الخ، حين استمعت إليه تذكرت أن المنصف المرزوقي، من وجهة نظري قد ارتكب جريمة وطنية بحق الدولة والشعب حين أقصى وبانفعال ذاتي ينم عن جهل سياسي، الخبير الكبير مصطفى كمال النابلي من البنك المركزي، ومن كل المسؤوليات ، واستمر ذلك اﻷقصاء من دون سبب، لطاقة وطنية وخبرة بمعيار دولي، ويستمر هذا اﻹقصاء اللاعقلاني من طرف اﻷحزاب الحاكمة الى اليوم ، وهذا ﻻ يحدث من طرف رجال الدولة وﻻ من اﻻحزاب المسؤولة وﻻ من قبل الحكومات في الدول المتحضرة والديمقراطية.
وما حدث لمصطفى كمال النابلي ليس حالة شاذة، فمثله كثيرون في الميدان المالي واﻻقتصادي والجامعي كحالة استقالة الاحتجاج الشجاع للأستاذ حسين الديماسي وفي الفلاحة والصناعة والتجارة والسياحة وفي العلاقات الديبلوماسية والسياسة الخارجية والداخلية..
من اﻷمثلة اﻷخرى في هذا السياق عدم اﻹستفادة الوطنية من خبرات ورصيد وعلاقات اﻷستاذ أحمد نجيب الشابي ومثله من المناضلين الديمقراطيين، كثيرون، وﻻ أستطيع أن أذكر أسماء كثيرة وغير مثيرة للجدل، في ميادين عديدة، من ذلك استمرار ما أقدم عليه الراجحي من مظلمة ثابتة هي بمواصفات جريمة دولة وقد فلت من المحاسبة عليها كواحدة من أكبر ملفات إفساد وإجهاض اﻷمن الوطني حين أقصى بجهل وبجرة قلم عشرات اﻹطارات اﻷمنية دون تحقيق اداري او قضائي، بادعاء عدم الحاجة لأمن سياسي، فأفرغ الدولة من جهازها العصبي والوطني وفتحها للإرهابيين والمهربين والجواسيس، ولست هنا أدافع عن موظف او رجل أمن انتهك القانون أو مس من كرامة أي تونسي، ومن يثبت عليه ذلك يطاله القانون.
إن التونسيين الذين لهم خبرات وطاقات كبيرة وثابتة، وفي الميادين المختلفة، ومن أجيال عدة،ووقع تهميشهم وتجاهلهم منذ وقت بعيد أو قريب، ممن عملوا كثيرا او قليلا في الدولة، وخاصة أولئك الذين عزلتهم السلطة في سنوات بعد الثورة أو منعتهم من أن يكونوا حيث يفيدون وطنهم وشعبهم في التنمية واﻷمن والسياسة والعلم والفن والثقافة.. هم بعدد كبير وتعطيلهم واﻹستغناء عن خبراتهم وطاقاتهم اﻹبداعية، جريمة فساد موصوفة تتحملها السلطة خاصة أحزابها الحاكمة، والتنمية الحقة تبدأ أساسا من عدم تعطيل الطاقات البشرية ﻷنها وسيلة وغاية كل تنمية، ولم يعد جائزا اليوم وأبدا تعطيل أﻹستفادة من أية طاقة بشرية ﻷسباب سياسية إلاّ في حالة إدانة القضاء له.
وأنا أتوجه بالدعوة لمن له اﻹرادة الصادقة في هيآت المجتمع المدني واﻹعلام لرصد وإحصاء وكشف حجم الطاقات والخبرات المعطلة، باعتبار هذا التعطيل جريمة وفسادا ﻻ يجب السكوت عنهما.